د. سمير غويبة

توسطت الشمس كبد السماء، وارتفعت معها حرارة الجو واللعب، كنا نمرح ونلعب مثل كل الأطفال، وفجأة اهتزت الأرض بعنف تحت أقدامنا، وارتفع عمود من الدخان الأسود من ساحة مطار الجلاء القريب، ثم ظهرت في السماء طائرة رمادية كئيبة على ارتفاع منخفض، بدت وكأنها عائدة من مهمة مميتة.

ظننت أنها سترتطم بالبنايات المحيطة، صرختْ بنا الأمهات وهن يجمعن على عجل الثياب من الشرفات، وخيم الصمت العميق رويدًا رويدًا على مدينتنا الصغيرة، التي بدأت منذ تلك اللحظة حكايتها مع الحرب.

سبع سنوات كاملة السواد حولت مدينتي “الإسماعيلية” إلى مدينة للأشباح، وكلما جاءت ذكرى يونيو 67 عادت بي الذكريات إلى هذه الأيام الكئيبة وتمنيت ألا تتكرر.

يونيو 67 كانت المرة الأولى والأخيرة التي أدركت بعدها بسنوات أن والدي المقاول، كان يملك حسًّا سياسيا، عندما رأيته ينتفض بغضب، وهو يستمع إلى جمال عبد الناصر، يعلن في تحدٍّ عن إغلاق “مضايق تيران”، بعدما ابتلع الطعم الصهيوني، وتورط في حرب جلبت لنا العار، وبدأنا سنوات النكسة وانكسرت طفولتي مبكرا، وفجأة تحول شعارنا الهادر من الخليج إلى المحيط، من “انتصرنا” إلى “انتكسنا”، بعدها بخمسة أسابيع، وبالتحديد في الخامس عشر من يوليو، رحل والدي -رحمه الله- فجأة في غارة إسرائيلية على مدينتي، بعد أن تحولت سماؤنا المحرقة إلى ساحة مستباحة لطيران العدو، رحل والدي ومعه استشهد أعز أصدقائه من الوطنيين؛ أمثال الدكتور العطوي، والمحامي الطيب، وحسن شلا… وغيرهم من المثقفين الذين اندمجوا في حلم القومية وصدمتهم الهزيمة، كانت سنوات مظلمة، دعوت الله كثيرًا ألا تعود، ولكنها عادت وبقوة!

فكلما شاهدت هذا القصف الأحمق لمدن سوريا واليمن وليبيا، وقبلهم العراق، تذكرت أيام يونيو 67 ومشاهد الأشلاء والدماء في شوارعنا، التي طبعت بصماتها على طفولتنا، وتملكني الحزن من أجل أطفال الحروب في بلادنا، الذين تحولت بلادهم بلا استثناء إلى أرض عمليات، وصاروا هدفا للقصف المجنون، فلا يمكنك أن تلغي من ذاكرتك مشاهد الطفل السوري، الذي لم يتبق من رأسه سوى فروة رأسٍ، بعدما انتزعت شظية مجنونة كل جمجمته، أو ذلك الطفل المسكين الذي كان ينظر في استسلام لأحشائه ترقد بجواره، أو هذه الطفلة السورية التي تمتمت قبل شهور، وهي تحتضر بعبارات أحتسب أنها حُملتْ عابرةً سبع سماوات: سوف أشكوكم إلى الله!

ولا شك في أن أطفال سوريا واليمن وليبيا الآن، يعيشون أزمة حقيقية، وحياة يومية ممزقة بين سيارات الإنقاذ التي تجلجل في الشوارع ، وصيحات الألم تحت أنقاض المنازل والدمار في كل مكان، لم ينقذهم منها إلا وباء “الكورونا”، الذي أخرس نوعًا ما تلك الهجمات الانتقامية، وهم أكثر عرضة للاضطرابات الشخصية، حين يشاهدون ذويهم يهربون في فزع من القصف، فيتملكهم الخوف العام وغموض المستقبل الذي يلقي بظلاله عليهم، فتفترسهم أمراض نفسية حادة.

فإذا كان هؤلاء هم أطفال الخوف اليوم، فماذا يكون مصيرهم عندما يخطون على عتبة الرجولة؟ ولكن المحزن هو أن مصائر أطفالنا تقودها شخصيات مدمرة، ببلاد عربية كل منها يختفي وراء نظام قمعي بشع.

فمتى يظل مستقبل أطفالنا نهبًا لمطامع زعماء مرضى، يتحدون شعوبًا كرهتهم، على نحو يذكرني بقول الطاغية كاليجولا: “فليكرهوني.. لا بأس ما دامت قلوبهم تمتلئ بالخوف مني”، إلا أنني أرى واثقًا أن للخوف نهاية محتمة.. لسبب واحد لا يقبل المناقشة، وهو أن إرادة الله أكبر من كل الطغاة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *