بقلم: أسامة السيد مرسي

قبل أكثر من ربع قرن تزوج أحد “الأوادم” من إحدى “الحواءات”، ولأنه كان يرى نفسه مثقفًا كبيرا، وأديبًا بارعا، فقد شرع في ممارسة عاداته الجدلية مع زوجته، ليجعل من بيته ندوة ثقافية، تؤدي زوجته فيها، دور المستمع المعجب، والمشجع المتحمس، حيث كانت مشروعاته النقاشية، تنطلق من قناعات راسخة، أن حياته الزوجية الناشئة، تحتاج إلى نقاشات معمقة، وحوارات مستفيضة، حول كافة الأمور الحياتية والأحداث المنزلية، بهدف بناء ما أسماه بـ(الأبجدية المشتركة).

هكذا كان يقول لزوجته، التي كانت تتجنب الدخول في نقاشاته الجدلية، مؤثرة التأييد والموافقة، أو الصمت الودود. لم يكن يروق له تأييدها الموافق وصمتها الودود، فكان دائما يذكرها بأن طريقتها هذه لن تؤدي بهما إلى بناء حياتهما على أساس من التفاهم العميق الذي يتمناه؛ فهي -كما كان يردد دائما- تتجاهل وجود المطبات، وتختار طرقا التفافية للسير من حولها، مؤثرة عدم الاصطدام بها، بينما كان يرى هو أن الطريقة المثلى لبناء التفاهم الزوجي هي إزالة المطبات، أما تجاهلها والالتفاف حولها -كما تفعل زوجته- فيعني أنها ما زالت موجودة في طريقهما، وأن احتمال الاصطدام بها ما زال قائما؛ لأن المرور من نفس المنطقة الحياتية يبقى محتملا بدرجة كبيرة.. هذا كان رأيه.

أما وسيلته لإزالة المطبات فكانت “بلدوزرات” النقاش المنفعل و”معاول” الجدل الحادة، للوصول إلى وجهة نظر واحدة يلتقيان حولها.

ولأنها هي هي، وهو هو…

فقد كانت موافقتها الودودة المعتادة تبطل مفعول أدواته النقاشية والجدلية الحادة، وتضع لها دائما نهاية مبكرة، فينتهي الأمر وهو يحمل شعورا مؤرقا بأن المطب ما زال قائما خلف ظهره، ينتظر مروره في المرة القادمة.

 

بعد مضي عدة سنوات لاحظ “آدم” مستغربا -نعم مستغربا- أن التفاهم الزوجي الذي تمناه يمارس وجوده بقوة في حياته، ولاحظ كذلك أن “الأبجدية المشتركة” التي سعى إليها دائما، قد تشكلت وتعمقت، وأصبحت مفردات دافئة في معجم المودة والرحمة. التفت آدم خلفه، يبحث عن المطبات التي أرقته طويلا، فوجد أن طريق حياته الزوجية، الهادئة المستقرة، قد علت طبقاته، وتنامت تربته حتى غطت جميع المطبات.

اكتشف آدم أنه لم يكن بحاجة للنقاشات المنفعلة والجدليات الحادة لإزالة المطبات، واكتشف كذلك -وما أكثر ما اكتشف على يد حوائه- أن النقاش والجدل كانا جديرين بإيجاد مطبات أكثر صلابة وأشد قسوة من تلك المطبات التي كان يريد إزالتها بطريقته الخاصة.

اكتشف آدم أن التأييد والموافقة الودودة كانت أدوات فعالة، أحدثت أثرها في منع تراكم كميات هائلة من صور ذهنية سوداء، وأحدثت أثرها الأجمل والأعمق في بناء رصيد كبير من المودة، التى منحت للحياة الزوجية أجنحة جعلتها قادرة على القفز فوق المطبات.

اكتشف آدم أن للحياة الزوجية مناخها الذي يجعل فصولها ربيعا دائما، ويحيل أعاصيرها إلى نسائم حانية، بشرط أن تكون حواء على قدر من الوعي والتسامح.

واكتشف أن للحياة الزوجية تضاريسها التي تجعل منها سهولا خضراء، وتحيل مطباتها إلى ذرى للتحليق، وقمما للسعادة.

واكتشف آدم -ولعل هذا الاكتشاف هو أهم اكتشافاته- أنه مدين لحوائه بما تنعم به حياتهما من استقرار ودفء وتفاهم، وتعلـّم أن الإزالة ليست هي الطريقة الوحيدة لتجاوز المطبات، وأن الخطى الواثقة يمكنها أن تكون أكبر من حجم أي مطب يعترض حياة الزوجين.

 

عدّى السحاب ورخ فـوقـنا مطـر

غسل الشوارع والهوى والشجر

أنا قلت ياريت المطر يقدر

يـرخ رخـّـه عـلى قلـوب البـشــر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *