قصة قصيرة بقلم: أحمد رفاعي آدم                                                                                                                                                                                     
من ذلك الرجل الذي قال إن كثرة الخوف تقتل الخوف وغموض المجهول يدفع إلى المجهول؟ لا أتذكر ولكني أصدقه. فها أنا ذا أعد العدة وأجهز حالي ومالي لأرحل. غداً فجراً أحمل حقيبتي وأوجاعي وأحلامي المشوهة وأسافر إلى بلدٍ بعيد يفصل بحرٌ واسعٌ وصحراءٌ شاسعةٌ بينه وبين موطني. سأترك ورائي روحاً وكياناً وبقايا طموح ومخاوف كثيرة وأستقبلُ مجهولاً جديداً.
 أنا المسئول، ومن أصعب أدوار الحياة أن تكون مسئولاً، أن تُصبح رغماً عنك طوق نجاةٍ لغيرك وجسر أمانٍ لمن وراءك، أن تصير حصناً أميناً وجسراً منيعاً رغم خوفك وضعفك، والأصعب ألا تملك حق الإختيار فلا يكون أمامك سوى الإنصياع لهذا الدور المحتوم فتؤديه على أكمل وجه، لا لإنك مثالي، ولكن لإن من وراءك لا يملكون إلا أن يطمئنوا بك! تطمئنهم وصدرك يغلي من القلق، وتمسح دموعهم بكفيك وقلبك يبكي دماً. تجاهد كي لا تدع ألماً يطوِّف بهم وأنت للأوجاع مستنقع، المهم أن تصمد.
لم يكن نومي مريحاً وتلك الهواجس تخفضني وترفعني. أيقظتني بصوتها الحنون: “أحمد. قم يا ولدي لتأكل شيئاً قبل موعد الطائرة.” الطائرة؟! تردد صدى الكلمة في أذني فأفقت على واقعي الجديد. أنا المسافر، ولقد حلمتُ بالسفر في صغري ونما الحلمُ وترعرع في كنف الحرمان. كنت أطالع السماء في كل ليلةٍ فيأسرني منظر بقعةٍ مضيئةٍ باللون الأحمر تتحرك فتشق السواد الممتد بين النجوم المتلألئة. وكبرت وكبر تعلقي بذاك النور السيار حتى عرفت أنه الطائرة وأيقنتُ أنها يوماً تكون وسيلتي لوجهتي. ولكن ثمةَ غموضٍ موجع يظللُ مستقبلي.
طالعتُ وجهها المنكسر فرقَّ لها فؤادي. آهٍ يا قلبي. لكم أود البقاء لأجلكِ.  لكم أودُ أن ألعن الغربة ألف مرةٍ لخاطر عينيكِ اللتين لم تبخلا بدمعهما وأنا أعلم مهما تدارين. “أمرك أمي.”  قلتها وأنا أقبلُ يمناها عسى ارتجافها يسكن. وانصَرَفَتْ إلى المطبخ الذي كان ملاذها الآمن طوال الأيام الماضية فيه تذرف دمعها وتربط على قلبها وتواسي بنفسها نفسها. أمي التي ما حرمتني شيئاً قط، حتى رحيلي لم تعارضه لشغفي به.
نهضتُ وغسلتُ وجهي ولكن وجيب قلبي لم ينفَضّْ وجلس ثلاثتنا أمي وأنا وأختي الصغيرة. لم يكن لي رغبة بالطعام ولكنني أكلتُ بنهَمٍ، أكلتُ حتى شبِعَتْ أمي. كنت ألمحُ عينيها بين اللقمة والأخرى فيعتريني غمٌ وكدرٌ. من سيغذيني بعدك ويهتم لجوعي وشبعي؟ لم أجُعْ يوماً وأنتِ إلى جواري، وأكبر ظني إنني سأجوع وأمرض وحيداً هناك من دونك يا راحتي. بين زوابع الفكر وشجون الخيال ملأتُ معدتي وسددتُ شهيتي لمرةٍ أخيرةٍ ثم قمت لأبدل ملابسي وأستعد للرحيل فبعد ساعة يحضر صديقيّ ليقلاني إلى المطار.
ومرت الساعة كدقيقة وأزف الرحيل. حملت حقيبتي إلى الصالة الضيقة حيث كانت أمي وشقيقتي تقفان. وهنا أنهار السد وانجرف الدمع الذي كان مكتوماً عني لأيام. أخذتني بين ذراعيها ولثَمَتْ وجهي وعيني وجبيني ويدي وكل شبر في جسدي. “يا رب هون علينا مرار تلك اللحظة.” لهج بها فؤادي وأنا مستسلمٌ لأمي تقبلني وتضمني كيف تشاء. أفلتتني يديها ولم يفلتني قلبُها المكلوم. همست كأنها الدهر العتيق يوصيني:
“انتبه لنفسك يا ضنايا. في حفظ الله ورعايته.”
يا ضنايا! ما أعذب هذه الكلمة وأقساها في آن. لم أنتبه لها من قبل ولم تكن المرة الأولى التي أسمعها. زلزلتني وصدعتني وكادت تشق فؤادي. يا ضنايا. أي كلمةٍ هذه؟ وأي حروفٍ نورانية صاغتها؟وأي عاطفةٍ نطقتها؟ أنا الضنى وأنا الضنين وأنا الضان بوجودي على الغالين لأنني المغترب. أنا الذي فرَّ وهَرِب. ضاق الخناق فما عاد من سبيل سوى عصر الباقي من أيام العمر  لأجل لقمة العيش. للحظةٍ شعرتُ بالهلع. ماذا جنيت على نفسي؟ ويلي من الغربة والمجهول. دفنت نفسي في حضنها ووددت لو أهرب من زمني وأرجع طفلاً مرةً أخرى لا يشغل باله البريء شيء، وأسلمت روحي المعذبة لمستقر راحتها لآخر مرة قبل الرحيل. مُكرهاً رفعت رأسي المثقل بالظنون وطالعت وجهها الصبوح. كانت تبتسمُ مشرقةً كشمسِ الأمل عند الألم. لثمت كفيها وخرجت.
أنا الغريب في بلدي. هكذا شعرت مباشرةً بعدما عبرتُ بوابة الجوازات وخُتِمَ في جواز سفري بختم الخروج. حدقت طويلاً في ذلك الختم الأزرق. هكذا ببساطة؟ أصبحت جاهزاً للخروج؟ بهذه السهولة ألقيت الماضي وراء ظهري وهجرت أحبابي وذكرياتي؟ بهذه السرعة صرت واقفاً على حدود المستقبل لوحدي؟ هناك بدأت غربتي رغماً عني. أمسكت هاتفي وكتبت رسالةً أطمئنُ فيها أمي. “الحمد لله أنهيتُ أوراقي وأنا الآن مستعدٌ تماماً وفي إنتظار الصعود إلى الطائرة. دعواتك يا أمي.” كان قلبي يغلي كمرجلٍ وأنا أضغط أزرار الهاتف وأصيغ الرسالة، وتوقف غليانه تماماً حينما وصلني ردها موجزاً: “لا تجزع يا ولدي.” عجبتُ كيف أقول لها أنني مستعدٌ تماماً وتقول هي لا تجزع! ولكن مهلاً. هل كنت مستعداً فعلاً أم أنني أغالط نفسي؟ أظنها على حقٍ ولكم كنت أحتاج إلى “لا تجزع يا ولدي.” نزلت دمعةٌ حاميةٌ وتشاغلتُ عنها بالصوت الذي ذاع: “النداء الأخير لطائرة المجهول!”
*اللوحة المرفقة من أعمال الفنان الكبير الراحل سيف وانلي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *