بقلم: عبده المصري

الإسماعيلية يناير العام الخامس والسبعين، من القرن العشرين، الذى يبدو بعيدًا جدا، الصبي العائد المحب للشعر، ويراسل بعض الصحف، يمضي في طريقه لقصر الثقافة القديم، الذى أخبره صديقه في مدرسة السادات الثانوية العسكرية، أن به مكتبة عامة، يستطيع أن يقرأ فيها الكتب، ويستعيرها أيضا، تلك الكتب التي أهلكته بحثا عن الجديد منها، ولا سيما دواوين الشعر العربي والروايات.

كان للصبي مغامراته مع الكتب في بلد المهجر، تردد على مكتبتها العامة، وباعة الكتب في شارع السكة الجديدة، وافتتن بنجيب محفوظ، وعبد الحميد جودة السحار، ومحمود تيمور، وشعراء المهجر، وشعراء مدرسة أبوللو؛ بنزعتهم الرومانسية التي تتوافق مع عاطفة وفورة شاب، يغادر الطفولة ويدخل مغامرة المراهقة، بعنفوان فتى يريد أن يغير العالم والواقع، الذي يرى أنه لم يكن يرضاه.

يخترق الفتى شارع بنها والممر، ويمضي مسرعا في شارع السكة الحديد، فيما البيوت لا تزال تحتفظ بآثار القنابل وفتحات الصواريخ، وبقايا الردم، وأمام كل بيت يقف حائط صغير مبنى بالطوب الأحمر، لحماية مداخل البيوت من الغارات. ذكريات الحرب متجسدة في الشواراع وعلى الجدران، وبعض العبارات الحماسية المكتوبة بخطوط سوداء، تدعو للصمود والمقاومة، لم يكن الفتى يعرف على وجه التحديد مكان قصر الثقافة، فتوقف قليلا أمام النافورة في ميدان عرابي، ليسأل أحد العابرين عن مكان بنزايون، حيث أخبره صديقه، أن قصر الثقافة قريب جدا من بنزيون وسينما مصر، وتستطيع أن ترى من شبابيكه، نادي الفنفار ونادي الأسرة.

يمضى الفتى في طريقه مستعيدًا ذكرياته عن الطريق لسينما مصر، التي كانت الأسرة معتادة أن تذهب إليها، هي أو سينما الحرية، أو سينما التعاون أو سينما الحديقة صيفا، في طقس أسبوعي معتاد، ليجد نفسه أمام لوحة صغيرة على بناء يبدو أنه فيلا قديمة، ليدخل إلى عالم جديد، ويستعير أول رواية من المكتبة، ويعود بها في نشوة من وجد كنزًا للبيت، لتبدأ رحلة التعرف على الحركة الأدبية والمسرحية في الإسماعيلية، التي كانت تحاول أن تزيل عن وجهها الحرب، وأطنان الركام وبقايا الغارات، ويتحول الطريق إلى قصر الثقافة القديم، إلى مشوار يقطعه في الأسبوع مرتين، ليقرأ في مكتبته، ويستعير منها ما يحب، ويتعرف على الشاب المثقف الذي عاد من الحرب، ليتم تعيينه كموظف فى قصر الثقافة، ولتتغيير بعدها رؤيته للحياة والكتابة، وحتى تفسير ما لم يكن يستطيع تفسيره، من مظاهر البؤس والاختلال فيما يراه من مشاهد، في إسماعيلية ما بعد الحرب.

………… وللحديث بقية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *