قاهر خط بارليف في حوار خاص الجسر ..فقدت ذراعي واصيبت عيني فداءا لتراب سيناء
حوار : ايه فاروق – تصوير محمود امين
تحل علينا الذكرى الـ 47 على انتصار اكتوبر المجيد سجلت القوات المسلحة ملحمة حفرت حروفا من نور في التاريخ المصري الحديث ابطالا بذلوا الغالي والنفيس من اجل استعادة الارض
“الجسر” التقت مع البطل إسماعيل بيومي..قاهر خط بارليف أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة وفى حواره أكد أن أول الأحداث التى عاصرها كانت معركة الفدائيين عام 1951، ومعركة الشرطة 1952، ثم ثورة يوليو وما تبعها من أحداث خروج الملك وجلاء القوات البريطانية وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثى على مصر، مؤكدا أن كل هذه الأحداث صنعت شخصيته.
واوضح انه قرر التطوع في الجيش المصري عقب نكسه 67 عندما شاهد ماحدث للقوات المسلحة على ارض سيناء وانسحابهم من مواقعهم فذهب الى قسم البستان “مديرية امن الاسماعيلية حاليا” هو و عدد من المواطنين لاحضار بعض الاسلحة للدفاع عن الوطن ضد الاحتلال , وأثناء تواجدنا داخل المديرية تعرضنا لضرب من طيران العدو وقيادات القسم اختبأوا داخل خنادق أسفل الأرض وتركونا بالخارج، مما اضطرنا لكسر السور الحديدى ووصلنا لغرفة التسليح وحملنا الأسلحة والذخيرة، وقد أصبت بجروح قطعية فى يدى الاثنتين، وتوجهت إلى مبنى الإسعاف للعلاج، وفى طريقى للمنزل سمع خطاب تنحى جمال عبد الناصر عن رئاسة الجمهورية وكان الخبر صادم له , مما افقدني الوعي وسقطت ارضا وكان ذلك يوم 10 من يوليو 1967 , وأتذكر جيدا ما دار فى رأسى وقتها أن الجيش الإسرائيلى على الضفة الشرقية فى سيناء والجيش المصرى تعرض لهزيمة ساحقة، كما أنه تم تهجير أهالينا فى المحافظات، والرئيس يتنحي.. فماذا تبقى حتى أننى سقطت مغشيا عليّ.
فى اليوم التالى، انطلقت المظاهرات للمطالبة بعودة الرئيس، وبالفعل تراجع عن قرار التنحي، وبدأ فى إعادة تنظيم الجيش بقيادة الفريق محمد فوزى والشهيد عبدالمنعم رياض، وقاموا بإعادة ترتيب مجموعات المقاومة الشعبية، وأصبح الشعب المصرى جزءا من خطة الحرب وشريكا أساسيًا فى الانتصار، فجميع فئات الشعب خرجت لمقاومة الاحتلال.
وقال ان الحرب بدأت من يوم 11 يوليو 1967 عندما التف الشعب حول الرئيس , عد فشلى فى الالتحاق بالجيش استطعت الانضمام لصفوف المقاومة الشعبية، وحصلت على السلاح رغم عدم اقتناعى بما يحدث، خاصة أن العدو يحمل أسلحة متطورة ونحن لا نملك سوى إمكانيات بسيطة جدا للدفاع.
وأضاف، كنت ضمن المجموعة الانتحارية التى تمركزت فى فايد، وبعد فترة ليست بقليلة فى المقاومة الشعبية أصبحت مجندا فى الجيش المصرى لمدة ٧ سنوات، وكان مركز التجنيد فى التل الكبير ثم الحلمية بالقاهرة، ومنها مركز تدريب الهرم التحقت بسلاح المهندسين.
مشيرا الى ان هناك اختلاف كبير بين شباب اليوم والشباب وقت الحرب حيث ان معظم شباب اليوم ليس لديهم نفس الحماس فى الدفاع عن الوطن , كانت عائلة البطل اسماعيل بيومى من الاشياء التى اثرت فى شخصيته الفدائية , واكمل كلامه عن الفترة التى قضاها فى مركز التدريب بالمهندسين التى استمرت لمدة 4 سنوات وكانت فترة تدريبه عبارة عن عمل مشاريع ومن ضمن المشاريع التى كان يعمل عليها هو مشروع تدمير خط برليف ,
تحدث عن نقطة ارتكاز كتيبته التى كانت فى منطقة ” الشلوفة ” التى على طريق السويس اسماعيلية الصحراوى , ويقول ان يوم 6 اكتوبر كان مقررا له النزول للاجازة لكنه كان يرفض ترك الجبهه لان اسرته كانت مهجرة ولايتحمل ان يكون عبئا عليهم وأشار إلى أنه فى حرب ١٩٧٣، كان موقعى فى منطقة الشط بالسويس غرب قناة السويس، وكانت مهمتى أثناء الحرب فتح الثغرات بالمياه للقوات التى تعبر قناة السويس لذلك سميت بـ«قاهر خط بارليف».
واكد ان الجندي المصري على الجبهه كان ينتظر بشوق لحظة الحرب للانتقام من العدو المغتصب كانوا مدركين تماما انها المعركة الحاسمة اما النصر اما الشهادة وصف البطل النكسة التى حدثت لمصر بانها مؤامرة ليست نكسة ,
واوضح ان التخطيط للحرب كان وفق دراسات وابحاث لمعرفة التوقيت المناسب حيث وجدوا ان الساعة الثانية ظهرا تيار المياة فى القناة متوقف , وهذه الدراسة قام بها الكثير من العلماء لعدة سنوات لاثباتها , فى الساعة الثانية ظهرا بدأ الطيران المصرى بالتمهيد وبدأت المدرعات والدبابات فى العبور لحماية الجنود المشاة , لكى لا يقوم الجيش الاسرائيلي بعرقلة الجنود اثناء تدميرهم لخط برليف ,
قال اسماعيل بيومى ان القادة العسكرين قالوا ان خط بارليف فى حاجه الى قنبلة نووية لتدميره , ولكن تم استيراد اكبر مضخات مياه فى العالم وهى تعمل على اطفاء ناطحات السحاب , ولكن كان غرضها هو تدمير خط بارليف , وبالفعل فعلها الجنود واستغرق الموضوع 6 ساعات وقاموا بتدمير خط بارليف وعبرت المدرعات والدبابات والجنود الضفة الشرقية , وفى ذلك الوقت بدأ الجيش الاسرائيلي باطلاق الصواريخ على الجيش المصرى , ولكن ذلك لم يؤثر على الجيش ,
ويقول تعرضت لإصابتين خلال حرب أكتوبر، ففى يوم ٧ أكتوبر أثناء تواجدى بجوار أحد الكبارى تعرضت مجموعتى إلى قصف عنيف وسقط صاروخ داخل القارب الذى كنت أستقله مع زملائي، مما أدى إلى إصابتى إصابة شديدة بالجبهة فوق الحاجب الأيمن، ولا تزال آثارها باقية حتى اليوم، ووجدت نفسى وسط مياه القناة ووسط جثث زملائى الذين استشهدوا وبرك من الدماء ورأسى ينزف بشدة.
وأضاف، تمكنت من السباحة حتى وصلت إلى الضفة الغربية من القناة وتم عمل الإسعافات اللازمة بواسطة الرائد على طبيب الكتيبة الطبية بالجيش الثالث، وقرر أن حالتى تستدعى نقلى إلى المستشفى لاستكمال العلاج، وهو ما رفضته لعدم رغبتى فى ترك موقعى من جبهة القتال.
وتابع: صممت على تواجدى وسط زملائى وسط قصف عنيف من قوات العدو، خاصة من موقع العدو الحصين بالنقطة ١٤٩، وأبلغوا العميد أحمد حمدى قائد وحدات الكبارى الذى كان موجودًا بين جنوده بالقناة، وأمام رغبتى الشديدة فى البقاء سمح لى بالبقاء، وكانت مهمتى المرور بالقوارب على الكبارى وتأمينها واستلام أسرى العدو ونقلها للضفة الغربية لرجالنا المتخصصين، وكذلك نقل الجرحى الذين أصيبوا خلال العمليات فوق أرض سيناء إلى الضفة الغربية بنقط معينة معلمة تتلقاهم السرايا الطبية، وبالفعل استكملت مهامى فى الحرب وجرحى مربوط بشاش يغطى عينى تماما حتى أن زملائى أطلقوا علىّ «موشى ديان».
أضاف إسماعيل بيومي، أن قصف العدو كان مستمرا لا يتوقف ويستخدمون الأسلحة كافة، حتى المحرمة منها دوليا، ولا يحترمون أى قرارات لوقف إطلاق النيران، حتى استشهد العميد أحمد حمدى قائد سلاح الكبارى فى إحدى الغارات، وهو بين رجاله فوق أحد الكبارى يقوم بإصلاحه فى النقطة التى حفر بها النفق الذى يحمل اسمه الآن أسفل قناة السويس بالقرب من مدينة السويس، واستمر على هذا الحال من يوم ٩ أكتوبر حتى يوم ٢٢ أكتوبر، وهو يوم وقف إطلاق النار الذى احترمته مصر ولم يحترمه العدو الإسرائيلي.
حيث كانت تخرج علينا الطائرات الأمريكية فى السويس من طريق الجناين والشلوفة، وأيضًا تحاول المدرعات والجنود العودة من خلال تلك الطرق.
قال بيومي: «جاءت الأوامر فى ذلك الوقت بوقف إطلاق النيران، وطلبوا من كل مجند حماية موقعه وحفر براميل تحت الأرض والانتظار بداخلها بلا ماء ولا طعام، وكنت أعتبرها مقابر وليست خنادق، وتم تنظيم أكمنة لتعطيل دخول العدو عن طريق عمل حفر برميلية، ووضع الألغام فى كل مكان نقوم بتأمينه، وبالفعل وجدنا هجومًا من العدو ولكن دمرنا عددًا كبيرًا من الدبابات، وكان لى شرف تدمير إحداها، ما أدى لتراجع الدبابات والالتفاف حولنا حتى فوجئنا بقصف شديد من الطائرات وسقطت بجوارى عبوة شديدة الانفجار تسببت فى ردم الحفرة بمن فيها وعندما استعدت قدرتى على التفكير ورفعت أكوام الرمال التى تغطيها وجدت ذراعى اليمنى متهتكة وتكاد تكون مفصولة عن جسدى عند الكتف وليس بها شيء سليم سوى كف اليد فقط فقام بعض زملائى بفصل الذراع المتدلية كى لا تعوق حركتى، وقام آخر بربط ما تبقى من الذراع أسفل الكتف بقطعة من ملابسه، وقام بدفن ذراعى بنفسه بحفرة فى الرمال بعد أن قرأت عليها بعض آيات القرآن الكريم.
حاولوا إقناعى بإخلاء إلى الداخل، ولكنى رفضت مثلما رفضت فى المرة الأولى، وما يدور فى خاطرى كيف أترك رفقاء السلاح الذين اعتبرهم أشقائى وأغادر الجبهة، ومكثت فى موقعى لمدة ست ساعات حتى تعرض الجرح لنزف شديد وهدانى التفكير إلى العبور شرقًا للعلاج بالكتيبة الطبية التى تقدمت نحو عيون موسى فى الشرق، ولم يكن الكوبرى الذى تم نصبه بالمنطقة موجودًا بعد قصف طيران العدو له فقررت عبور القناة سباحة للضفة الشرقية بيد واحدة حتى أصل إلى موقع الكوبرى وعبور خط بارليف من الفتحات الممهدة التى صنعها.
حتى إذا وصلت إلى منتصف القناة أصبت بإعياء شديد وغيبوبة لم تمكنى من مواصلة العبور، حتى فاجأنى العدوان بغارة عنيفة من طائرات العدو على شاطئ القناة، وسقطت دانات بمياه القناة، وبلغ من شدتها أنها كانت تحدث دوامات ترفع ما فى قاع القناة إلى سطحها، وكانت المياه تفور من شدة الغليان، وتعلقت بالشعب المرجانية وتكسيات القناة والتى منعتنى من الانجراف مع التيارات المائية، حتى هدأت الغارة، ووجدت نفسى على الضفة الغربية للقناة أسفل خط بارليف لكن بعيدًا عن فتحة الكوبري.
وأضاف، حاولت الاستغاثة بزملائى أعلى الساتر الرملى لخط بارليف، لكن كان النزيف يزداد، وقررت الاستسلام وترديد الشهادة، حتى شاهدنى جنديان مصريان من أعلى خط بارليف تعرف علىّ أحدهما ورفعونى بالحبال من شط القناة أعلى الساتر الرملى، وطلبت نقلى إلى الكتيبة الطبية بعيون موسى لإسعافى، لكن بعد وصولنا إلى موقع الكتيبة فوجئنا بقصف الكتيبة رغم أن الاتفاقيات الطبية تنص على عدم ضرب الكتائب الطبية، لكن كما ذكرت؛ فإن العدو لم يكن يحترم القوانين الدولية، ثم توجهنا إلى مستشفى السويس للعلاج بعد ٤٨ ساعة متواصلة حتى وصلت المستشفى، لأن كل الكبارى كانت مغلقة من شرق القناة إلى غربها، وظللت فى المستشفى حتى ١٧ نوفمبر موعد إيقاف إطلاق النار، وتم تحويلى إلى مستشفى ألماظة العسكري، واستمرت فترة العلاج لمدة عام تقريبا، حتى عام ١٩٧٤.
وقال: فى ١٦ نوفمبر ١٩٧٣، تم عقد اتفاقية لوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، ونصت الاتفاقية على إخراج الجرحى من السويس وتبادل الأسرى، لكن الرئيس السادات أصدر قرارا بنقلى أنا ومجموعة أخرى من زملائى كمصابين مدنيين إلى المستشفى حتى لا نتعامل معاملة الأسرى، وتم نقلى إلى مستشفى السويس، وهناك زارتنى جيهان السادات ومعها عدد من زوجات السفراء والرؤساء، وقالت لى اطلب أى شيء وتتم الاستجابة لك فورا، فقلت لها: «اللى أنا عاوزه أخذته وهو النصر، والحمد لله نالت مصر النصر، لا أريد شيئا أكثر من هذا، وفى اليوم الثانى، تم عمل حلقة فى القناة الثانية بعنوان «وجوه مشرقة»، وكان معى عدد من أبطال حرب أكتوبر، وبعدها بأسبوع سافرت إلى يوغسلافيا لتركيب أطراف صناعية».
أعظم أيام التاريخ
عن يوم تحرير واسترداد سيناء يقول بيومي: «هو أعظم يوم فى التاريخ؛ إذ استطاع الجيش المصرى استرداد جزء من سيناء فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، واستطاع السادات بعبقريته ودبلوماسيته استرداد آخر شبر فى سيناء باتفاقية كامب ديفيد، رافضا ما يعتبره البعض خيانة، لافتا إلى أن سيناء تبلغ مساحتها ٦١ ألف كيلو متر، استطعنا استرداد ١٠٠٠ كيلو فقط فى حرب أكتوبر، والباقى عاد إلينا فى كامب ديفيد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *