عبده المصري

خلاص يا أمى، لن ألف الاسماعيليه شرقها وغربها، لأحضر لك النشوق، ولن أتحدث تليفونيا مع “العدوى”، الذى صار يعرفنى كأحد آخر المشترين للنشوق، لن أسب وألعن وأنا أسير بالسيارة، فى مجاهل الإسماعيلية فى نهار قائظ، لأن هناك بائع لديه علبة من النشوق، من الصنف الذى تحبين، رغم أنك فى الأيام الأخيرة، كنت فقط تشيرين إلى أنفك، ولا تتذكرين حتى الإسم.
خلاص يا أم عبده، كما يطلق عليك أصحابنا، وأم ماجده، كما يطلق عليك الجيران، وسيدة لم الشمل، كما أسماكى صديقى ممدوح السجينى، ولكن تعرفى يا “أطم يابطه” كما أحب أن أسميكي، أنك واجهتى الموت، وتمسكتى بالحياة، حتى آخر نفس، بشجاعة غريبة جدا، رغم إنهاك الجسد ووهنه.
لم تستسلمى، كنتى دائما تريدين الخروج من البيت، والسفر إلى بورسعيد وها قد سافرتى، كنت تريدين الأبناء والأحفاد أن يصحبوكي فى الرحلة، وصاحبوكي جميعهم، ولكن ياحبيتى هناك أشياء لم أستطع تفسيرها ولافهمها، تلك الزغاريد البهيجه التى أطلقتيها وأنت فى حاله الغيبوبة، هذه اليقظة المباغتة، لتأكلى من يدى آخر طبق رز بلبن، حتى آخر ملعقة، أنتى التى كنت ترفضين تناول أكثر من معلقتين، ثم تقولين: “أنا شبعت.. ده أنا كلت كتير أوى كل إنت”، ثم تقدمين لى كل ما أمامك من طعام، أو حتى أطباق فارغة على أنها طعام، وتسالين إخوتى البنات: أخوكوا أكل ولا لسه؟ مع أنى أريدك أن تأكلى أنت، حتى تقاومى حاله الضعف والهزال التى أصابتك، فى الأسبوعين الأخيرين. كنت تقدمين لنا أوراق النشوق الفارغة، على أنها نقود، وتصرين أن نأخذها.
تعرفى يا “بطه”، أنا أيضا أعرف أنك كنت تحبين اللمة، والجلوس على الكنبه فى الصالة، وبعد الغسل والتكفين، صرت كالعروس جميلة، ذهبت التجاعيد والانتفاخات حول العينين، وصار وجهك أملسا ومشرقا، أبيض كقمر وأنت القمحية، خرجنا بك من غرفة نومك، لتتمددى على الكنبه الأثيرة، ونصلى عليك صغارا وكبارا فى مكانك الأثير.
لا أستطيع أن أفسر، لماذا تأخرت “المغسلة” وقتا، ولماذا تاه سائق السيارة، رغم جلوس أخى بجواره، لتتجولى فى شوارع بورسعيد، شارعا شارعا، وتمرين على المطافى وطرح البحر، وتتأخرين طويلا.
قلت لهم ساعتها: أمى لاتحب الحر، ستنتظر أن تعم نسمة العصارى لتدفن، وقد حدث يا “بطه”.
أعرف أننا عائلة مسكونة بالأساطير والحكايات، ليس أقلها أن أبى ذا القدم المقطوعة، التى كتبت عنها رواية، كما يليق بقدم، ظلت حتى الآن حبيسة مسودتها النائمة فى حقيبة جلدية مهملة، فى بيت قديم.
تعرفين طبعا كيف أقسم التربى ونحن ندفنه فى اليوم الأول من رمضان بعيد، أنه دفن رجلا بقدمين كاملتين، وأننا أوهمناه أنه بساق واحدة.
ياه يا “أطم”، ها أنت تكملين الحكاية التى تنتهى غن الطيبين والطيبات، الذين ينادون على أبنائهم الغائبين.
مع السلامه ياحبيتى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *