بقلم الدكتور: خالد عبد الحميد

لم يكد الطعام ينضج بعدما اشتد في الغليان لفترة امتدت نحو الساعة الا وقد رحت في نوم عميق استمر كذلك حتى جف الطعام تماما في الإناء ثم توهج فبدأ يحترق ويشيط مصدرا أبخرة ذات رائحة نفاذة سرعان ماتسللت الى الطابق العلوي حيث توجد غرفة نومي وعبر تلك الفراغات الدقيقة حول باب الغرفة الموصد جيدا استطاعت تلك الرائحة اختراق الباب ثم الوصول سريعا إلى فتحتي أنفي لتوقظني في الحال كي أنجو ببيتي ونفسي من حريق بات مؤكدا لولا تلك الحاسة المذهلة … حاسة الشم. عندها تبين لي يقينا ان الشم قد يكون أكثر فائدة وأعظم نفعا في بعض اللحظات من حواس أخرى ظلت طوال الوقت تعتلي قائمة الوظائف الحيوية الحسية كالسمع والبصر وهما اللذان لم يقدما معروفا واحدا لنجدتي في هذه الليلة.

مامن زمن انتبه الناس فيه لاعتلال حاستي الشم والتذوق مثل هذه الأيام وذلك قطعا لارتباطهما بالاصابة بفيروس الكوڤيد 19. ولأن رُب ضارة نافعة فقد دفعني هذا الاهتمام الى الحديث فيما هو أبعد من ذلك … أبعد كثيرا!

تتصل حاسة الشم مع التذوق اتصالا وثيقا الا ان الشم له الغلبة والقوة. فالتذوق بمعناه البسيط يتم عبر مستقبلات خاصة باللسان يمكنها تصنيف الأمذقة إلى أربعة أقسام رئيسية وهم المالح والحلو والمر والحامض، أما التعرف على النكهات ومايعرف باستطعام المذاق وتفاصيل مكونات الطعام فهي وظيفة في غاية التعقيد يسيطر عليها ويقودها الشم الى حد كبير. تبدأ عملية الشم بعد ذوبان جزيئات الروائح في مخاط الأنف وعبر المستقبلات العصبية الخاصة تمر إشارات كهربية مشفرة حسب تركيب جزيئات الرائحة إلى قاع الجمجمة أعلى الأنف مباشرة حتى تستقر عند شريحتين صغيرتين من المراكز الحسية الشمية يبلغ متوسط أبعادهما حوالي نصف الى واحد ونصف سنتيمتر فقط حيث يقوم مابين خمسة الى عشرة ملايين خلية مثبتة في تلك المراكز “قد يصل هذا العدد الى 220 مليون خلية عند الكلاب مثلا” بتمرير الإشارات العصبية في شكل كود يحمل المعلومات الخاصة بالروائح ويمكنه تمييز حوالي عشرة آلاف رائحة. هناك آليتان لوصول الرائحة داخل الأنف إحداهما مع اتجاه دخول الهواء عند مقدمة الأنف من الخارج والآخر عكس هذا الاتجاه ويمر من الفم وقاعدة اللسان الى الأنف من الداخل أو من الخلف. الجدير بالذكر ان هذا الاتجاه العكسي يمثل الطريقة الأكثر شيوعا لعمل الأنف البشري بخلاف كائنات أخرى كثيرة ولهذا يتضح كيف يجدر للأنف الاضطلاع أيضا بعملية التذوق عندما تصل جزيئات الطعام إلى الجزء الخلفي من الفم واللسان لتبعث برائحتها إلى الناحية الخلفية من الأنف.

إذا صرت يوما سعيد الحظ وجلست على طاولة عشاء في مطعم “ألينيا” بمدينة شيكاجو بالتأكيد ستحصل على تجربة مثيرة ليس فقط لان المطعم له مركز متقدم في تصنيفات متعددة او لانه حسب موقع “تريب ادڤايزور” يعد أحد أفضل عشرة مطاعم في العالم بأسره ولكن الإثارة الحقيقية هي ان تعرف ان الشيف الماستر والمالك المؤسس “جراند أشاتز” قد أصيب بسرطان اللسان منذ سنوات مما استوجب جراحة وعلاج إشعاعي تسبب في تدمير خلايا التذوق في اللسان تماما ولكن السيد أشاتز مازال يصمم ويعد أفضل الأطعمة والوجبات في تناغم سلس معتمدا على أنفه التي مازالت تعمل جيدا وليست في حاجة للمساعدة من أجل تذوق نكهات الطعام “شميا”. إذن دعنا نتفق انه قد يعجبك مذاق وجبة من الفلافل الساخنة وبجوارها شرائح الفلفل المقلي في زيت الخضراوات الطازج وتغميسة من الطحينة متماسكة القوام هذا فقط إذا أعجبتك رائحة الطعام! لعلك الآن لاحظت ان هناك فرقا بين التعرف على الرائحة والإعجاب بها. بالطبع نعم إلا ان كليهما من أعمال السيادة العليا التي تمارس المهام من مقرها في نسيج المخ. هنا لن تتعدى الانف حدودها أو دورها الكائن في التقاط الرائحة وتحويلها الى كود مشفر من الاشارات العصبية التي سوف تصل فيما بعد الى المخ للترجمة والتحليل وصناعة القرار.

ساعدت كثيرا ابحاث الرنين المغناطيسي الوظيفي وما يتبعه من تحليل التوصيلات الشبكية المخية في فهم مسارات وظيفة الشم داخل المخ الذي يمكنه التعامل مع تلك الاشارات العصبية عبر اربعة مراكز أساسية إذا أردنا تبسيط الأمور وهم مركز ادراك الشم ووظيفته تمييز الروائح، ومركز الذاكرة الشمية الذي يقوم باستدعاء الذكريات المرتبطة بروائح معينة، ثم مركز العاطفة الشمية وهو الذي يتحكم في استثارة المشاعر ومنها شعورك بالسعادة او الكآبة وكذلك انفعالاتك اللاارادية تجاه بعض الروائح، وأخيرا مركز التحكم في السلوك المصاحب لشم رائحة ما. أعرف أن الأمر قد بدا أكثر تعقيدا الآن فسبحان الخالق البارئ المصور. إذن لا تندهش اذا علمت مثلا ان هناك دراسة بريطانية أثبتت ان اضافة عطر خاص لفواتير العملاء قد تؤدي الى تنبيه الشعور بالضيق وتحفيز سلوكي لدى العميل كي يقوم بالدفع مباشرة بعد الشم. قامت الشركة صاحبة الدراسة ببيع العطر الخاص لمكاتب تحصيل الفواتير بسعر 3000 استرليني للجرام الواحد. ولم لا وقد أثبتت الأنف قدرة مذهلة في التأثير على العقل وتقديره للأمور. في إحدى الدراسات تم عمل استبيان لدرجة رضاء المستهلكين عن عدد من أنواع “الشامبو” وبعد أن تذيل أحد الأنواع القائمة برمتها قام الباحثون بتعديل رائحة هذا النوع وأعيدت التجربة على نفس المجموعة مرة أخرى. لم تكن النتيجة فقط انه أصبح أفضلهم على الإطلاق في الإعادة ولكنه سجل أيضا الأداء الأفضل من حيث المواصفات كسهولة الشطف وكمية الرغوة ودرجة لمعان الشعرعلما بان الرائحة هي فقط التي تم تعديلها في المرة الثانية. إحدى الشركات اليابانية اعتادت تعطير أماكن العمل بعطر الليمون مع بداية اليوم لتحفيز الموظفين ثم عطر الزهور في نهاية الصباح لرفع درجة تركيزهم وعطر شجر الأرز قرب نهاية اليوم للمساعدة على الاسترخاء وتقليل الشعور بالتعب. لسنا بحاجة للاستشهاد بأمثلة أكثر على دور الروائح في التنبيه والتحفيز ولدينا العديد من مشاهد السينما المصرية القديمة توثق لحظة شم ملح الشبة لإيقاظ البطلة العاشقة الولهانة من حالة الإغماء المفاجئة بعد الحصول على صدمة رومانسية من الحبيب الخائن الغشاش.

اعتبر الشم وسيلة لتشخيص بعض الأمراض في حقب متعددة من الزمن البعيد. قام أبقراط بشم جسم المريض وانفرد ابن سينا بشم البول وكذلك في الطب الصيني القديم كانوا يشمون هواء الزفير. حديثا قام الدارسون في جامعة “وارويك” الإنجليزية باختراع جهاز يدعى الأنف الإليكتروني يستطيع تمييز عدد لا حصر له من الروائح. استخدم أنف وارويك خصيصا من قبل شركات العطور لتمييز المنتجات الأصلية من تلك الزائفة والمقلدة. تمكن الباحثون أيضا من تثبيت الجهاز على مدخل الصوت في التليفون لدى بعض المرضى لتحليل رائحة هواء النفَس أثناء الحديث في محاولة لتشخيص الأمراض. تخيل معي لو ان ذلك ساعد فعلا في التشخيص. تخيل أيضا إمكانية التأكد من شخصية الفرد عند بوابات التفتيش او امام موظف البنك فقط من بصمة رائحته!

أحد العلوم الحديثة المنبثقة من علوم صناعة الغذاء يسمى التذوق الجزيئي او المطبخ الجزيئي وفيه تتداخل علوم الكيمياء والفيزياء وتتشابك مع علم النفس والاجتماع والفيسيولوچيا لاستحداث تعديلات وتركيبات غير معتادة او ربما تبدو جنونية في الطعام تحقق للشخص متعة فوق العادة بتجربة نكهات غير مسبوقة تعمل على تحفيز شبكات المخ الحسية الخاصة بالشم والتذوق بشكل فعال. هناك العديد من المطاعم المشهورة حول العالم تعتمد المطبخ الجزيئي كطريقة أساسية في إعداد وجباتها. هذا هو “آدم ميلوناس” الشيف الأسترالي الشهير ومؤسس معمل ابتكار الطعام بولاية ماستشيوستس الأمريكية. لن تصدقني حين تعلم ان أشهر مبتكراته كانت تلك المصاصة المصنوعة من أرجل الأخطبوط المعالج بالحقن والمطهي ببطء في درجة حرارة منخفضة قبل الغمس في عصير البرتقال والزعفران ثم التثبيت على أعواد الشبت المجففة. تلك المصاصة تحقق أرباحا كبيرة بسبب الطعم المدهش والنكهة الفريدة. أعلم تماما ان الوصفة قد تبدو غريبة أو ربما مقززة لدى البعض ولكن الحقيقة تكمن في التصميم العلمي للمطبخ الجزيئي والنتيجة تتأكد من خلال أرقام المبيعات واستطلاع الآراء.

الأمر المثير للدهشة ان الشعراء والأدباء قد تنصلوا من الأنف على مر التاريخ الثقافي للأمم. امتُدحت العيون لاتساعها بينما كان كبر الأنف مدعاة للسخرية والتنمر حتى ان الشخص كثير الكذب عرف في قصص الأطفال بصاحب الأنف الطويل. إلا ان هذه التفرقة ظلت فقط من حيث الشكل اما القيمة والمكانة فقد كانتا مصونتين إلى حد كبير. فكما وصفت محاسن الشخص بحسن إنصاته أو بعد نظره، كانوا أيضا يقولون ان فلانا اشتم الخبر قبل وقوعه نظرا لذكائه الشديد وحدسه القوي. وعموما لن يضيف المديح ولا الشعر شيئا إلى رصيد حاسة الشم ولكنها يا سادة هي التي أضافت لرصيد الحضارة والعلوم بعدما فتحت لنا أبوابا جديدة من العلم والاقتصاد والتأمل والحياة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *