د. سمير غويبه

سألت نفسي متعجباً وأنا أطالع غضبة الجماهير في شوارع أمريكا والعنف المضاد من الشرطة: هل ذهب حبيب العادلي إلى هناك؟ ربما تجتر ذكريات البطش مثلي؛ قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاط، بل نفس المشاهد الصاعقة؛ سيارات رسمية وخيول للشرطة تدهس بغلٍ المتظاهرين السلميين، حتى يخيل لك أن المذكور قد نقل مكتبه هناك مستشاراً وخبيراً أمنياً! نفس سيناريو الطغاة في قمع من يعترض ونفس التبريرات الرسمية: الغاضبون عملاء وخونة وحشاشون ومأجورن!

وما حدث في أمريكا يؤكد لك أن الطغاة يستنسخون أنفسهم، بل يمكنك أن توفر على نفسك عناء التنقيب في كتب التاريخ عن جرائم فرعون ونيرون وموسيلليني وبونيشيه ومبارك، وأنت تطالع أنموذجاً معاصراً وصارخاً لزعيمٍ عنصري، يستدعي ملأه -أقصد جنوده- لقمع شعب خرج يطالب بحرية التنفس بعد أن خنق شرطي عنصري، مواطناً أسود أعزل توسل إليه وهو يحتضر “لا أستطيع التنفس” في مشهد اقشعرت له الأبدان، ليتحول “جورج فلويد” في لحظة وعي إلى أيقونة ثورة، تماماً مثلما كان “خالد سعيد” أيقونة الثورة المصرية.

وحتماً سيعود بك الزمن عشر سنوات لتستدعي مشاهد ” 25 يناير”، حسني مبارك وقد خان القسم فاختصم شعبه، وترأس وكأنه في ساحة معركة اجتماعاً للعمليات، يوجه بيده ويدير منها قمع المظاهرات بالميدان، وبنفس السيناريو أدار ترامب الأزمة محاولاً “عسكرة الأزمة” ومهدداً بنشر الجيش للقمع مستعيراً عنوان “الإرهاب المحلي، بل ضحكت حتى دمعت وتذكرت صفوت الشريف وأنا أستمع لوزير العدل الأمريكي وهو يعلن بثقة: المتظاهرون ينفذون أجندة خارجية، وممولون من الخارج!

وعلى النقيض سترى أمريكا ما زالت بخير وأنت تستمع لوزير الدفاع يرفض أوامر رئيسه بنشر الجيش وتطبيق قانون العصيان، وطالب بحماية الدستور الذي ضمن حقوق الشعب في الاحتجاج والتجمهر.

وتذكرت “واقعة الجمل” بالميدان وأنا أرى ترامب يتحدى الجماهير، ويفرقهم بعنف غير مسبوق ليخلى الطريق حول البيت الأبيض، حتى ينفي تهمة الهروب إلى مخبأ، ويتجول كالطاووس ويمسك بالإنجيل -وليته فتحه فيتعظ منه- مستميلاً اليمين المتشدد حتى لو تحول الأمر إلى حربٍ أهلية؛ بعد أن حوصر في الداخل وعزل في الخارج، وأدارت له أوروبا ظهرها ورفضت أن تكون جزءًا من عرض معادٍ للصين!

وأزعم أنك تذكرت شهداء 25 يناير مثلي وأنت ترى الشباب الأمريكي في كل مكان وقد خرجوا يحملون صوراً لقاتل يجثم على عنق تمثال الحرية معلنين أن الحرية كالماء والهواء!

أما ما استفزني بحق هو السيد “علاء مبارك” -مدفوعاً ببراءة لا يستحقها- يستبق الأحداث محاولاً قطع الطريق على من استعادوا ذكريات مؤلمة كان بطلها أبيه وهم يشهدون قمع المظاهرات الأمريكية فتذكروا الميدان وتورط النظام الأسبق في القتل والبطش.. وعجبت كيف يلوي “علاء” الحقائق التي لن ينساها التاريخ ويعلن في تغريدة له وكأنه يخاطب بلهاء قائلاً: أمريكا تثأر للرئيس مبارك سبحان الله لا شماته.. مظاهرات وحرائق وقتل وإطفاء أنوار البيت الأبيض.

“علاء” الذي تجاهل الشرطة في لوس أنجلوس وقد ركعت أمام المتظاهرين اعترافاً بالذنب.. غاب عنه أنه أكد واعترف بتغريدته الشامتة أن والده سقط عندما تخلت عنه أمريكا كما تتخلى عن كل العملاء، عندما تستشعر عزم الثوار في أي انتفاضة شعبية، وليته يعلم أن تبرئة والده والعادلي من تهمة قتل المتظاهرين لا معنى لها عندما يحكم التاريخ بصدق يوماً ما، ويروي حقيقة ما حدث؛ فالثابت أن مبارك تخلى عن العادلي بقوله أمام المحكمة: لم أمنحه أمراً بقتلهم.. وبدوره تنصل العادلي من التهمة قائلاً ببجاحة إن قوات من حزب الله قتلت 846 مواطناً وأصابت 6500 آخرين! فقط أحيلك لشهادة الأستاذ الجامعي والمفكر الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء في ولاية شفيق وهشام قنديل، والذي قال صراحة: إن مبارك أصدر تعليمات للشرطة والجيش المصري لضرب المتظاهرين، ولكن طنطاوي رفض لأنه كان ضد التوريث.

خلاصة القول هي أن الربيع الأمريكي قد أعلن براءة الربيع العربي وأن الظلم هو المحرك الأول لشعوب تحلم بالتنفس بشكل جيد ولا تصمت طويلاً في ظل الطغاة.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *