كثيراً ما تساءلتُ: هل تاه المجتمعُ المصري؟ وهل سيكون سهلا أن نجدَه أو نستعيده؟!
ــ 1 ــ
ألحّ عليّ السؤالُ مرات بلا حصر وبغير عدد، وربما كان الأكثر إلحاحاً من بين عشرات الأسئلة التي راحت تطاردني خلال السنوات العشرين الأخيرة، وزاد إلحاحُها في العقد الأخير، إلحاحا لا مهربَ منه، كلما سألت: هل إلى خروج “آمن” من سبيل؟
كثيراً ما تساءلتُ: هل فقد المجتمع المصري وعيَه؟ هل تفلَّت من عقله؟ هل ضلّ الطريق إلى ضميره الذي كان هو “فجر الضمير” للبشرية، وشعاع النور يهدي العالم إلى الحق والخير والجمال؟!!
ــ 2 ــ
تحولات الجريمة المصرية وتطوراتها في ربع القرن الأخير تستدعي وقوفا طويلا أمام ما عشناه، وما نعيشه، وما قد نعيشه من تحولات وتطورات جديدة قادمة، وبقدر ما يطرح على عقولنا من دهشة، وما يثيره فينا من خوف وانزعاج.
عشتُ أكثر عمري في مدينة هادئة، لا تعرف من “الجريمة” إلا مشاجرات بين شباب أحيائها على مراهنات مباريات كرة القدم، أو مشاجرات بسبب مراهقين على انتزاع إعجاب الفتيات، أو مشاجرات بين الجيران بسبب مشاغبات الأطفال، وفي كل ذلك تنتهي المشاجرات إلى “إصلاح ذات البين” ــ سواء بكلمة الصلح خير، أو بتعبير: ما ينوب المخلّص إلا تقطيع هُدومه ــ من دون أن يصل أكثرها وربما لا يصل شيء منها إلى أقسام البوليس!
ــ 3 ــ
مع سنوات الانفتاح، عرفنا أشكالا “جديدة” من “الجريمة”، وسنة وراء سنة كان يظهر منها جديد، من زنا المحارم، إلى قتل الابن أمه وأبيه، وقتل الأب ابنه، وقتل الزوجة زوجها بمشاركة عشيق، و”المال” القاسم المشترك في أكثر الجرائم، يليه الجنس، وفي كل ذلك الغيرة والحسد والطمع والسيطرة والكِبْر، ملامح “النفس” البشرية. ومع ظهور طبقة جديدة تستعلي على المجتمع بنزقها وتطلعات أبنائها وتهور شبابها، عرفنا جرائم القتل بين الشباب، لصراعات حول “فتاة” في ملهى أو مرقص، أو لأسباب اللهو والمعاكسة!
كل ذلك يمكن أن يكون مفهوما، وقد يكون مقبولا أن نقف أمامه بخوف، إلا أن تحولات الجريمة، وتغير شكلها، ونوعها، وموضوعها، في زمن انتشار الجائحة، والتهديد الذي يلقاه الناس جميعا من “فيروس كورونا” القاتل، تستدعي أن نتوقف ــ لا بحذر بل برعب ــ أمام ما يحدث من “تغيير” في عمق الإنسان المصري، وفي “شخصيته”.
ــ 4 ــ
في الشهور الأربعة الأخيرة، تطورت أو تغيّرت “الجريمة”، واتخذت أشكالا عدة، منها أنها عمّقَت الشروخ التي أصابت “الأرحام” في مصر خلال العقدين الأخيرين، وأكّدتها، وهبطت بأولوية “صلة الرحم” وقداستها لدى المصريين إلى أدنى منزلة، فعرفنا أبناء يهربون من أمهم المريضة في مستشفى الحجر الصحّي، وعندما تموت يرفضون أن يتسلموا جثتها، أو يشاركوا في دفنها، وشاهدنا القرية التي يرفض أبناؤها أن تقوم أسرة من القرية بدفن طبيبة ماتت بالوباء، في إحدى مقابر القرية، وتحسّرنا ونحن نسمع عن الكثير من الجيران الذين يقيمون “حصارا” حول أسرة أصيب أفرادُها بالفيروس القاتل، بدل أن يهبّوا لنجدتهم ومساندتهم، ثم زوج يلقي بزوجته التي أصابها الوباء، من الدور الخامس ليتهشّم عمودها الفقري، وشقيقان يحرقان شقيقتهما التي أصيبت بالفيروس اللعين.
ثم أبناء يحبسون أمهم المريضة بـ “الكورونا” في البيت، فلا تجد من يرعاها سوى أحد الجيران، لا يسألون عن أمهم حتى ماتت بين يدي جارها، وأخيرا زوج يُرسلُ أحد عماله ليغتصب زوجته، بهدف “فبركة” مقطع فيديو يستخدمه في إثبات جريمة الزنا ضدها، ليتزوج بأخرى، فإذا بالزوجة تدافع عن نفسها حتى يقتلها الذي استأجره اللعين!
ــ 5 ــ
 ولا مبالغة، فنحن لسنا أمام حالات فردية، بل تفاجئنا وتفجأنا وتصدمنا تحولات اللحظة التي تطلب أكثر ما تطلب ظهور المعدن الحقيقي للمجتمع المصري، وضميره الجمعي، ووعيه المُبادر دائما إلى التكافل والتضامن والتعاطف والمشاركة والمساندة والمساعدة، فإذا بالحال غير الحال، ولا يظهر من المصري في أكثر الحالات إلا الهروب والانكفاء على الذات، بل يذهب في هذا السبيل إلى أبعد من ذلك بكثير، إلى الاستفزار والعدوانية والتهجّم مُسفرا ليس عن الأنانية والفردية فحسب، بل عن روح وحشيّة قاتلة!
اللحظة تستنفر في المجتمع المصري أن يُراجعّ ضميرَه ووعيه، وأن يسأل: هل يحتاج وهل يريد أن يستردّ عقله، أم أنه لم يعد بحاجة إلى عقل أو ضمير؟!         
ــ 6 ــ
هي ربما كانت ــ كلها أو بعضها ــ دليل علامات “مرض” أكبر من “كورونا” وأخطر، مرض أصاب المجتمع بما هو اخطر من “الجنون” الذي انزلق إليه “الشارع” المصري، ويحتاج إلى طويل وقت، وصحيح تشخيص، وعمق تفكير، وسليم بناء، والأهم صدق نوايا، لنعالج ما أصاب مجتمعا أخذ في التخلى بسهولة عن أصالته، وعن سماته وملامحه التي ميّزته تاريخا طويلا يضرب بالعمق في آلاف السنين، ونراه متجها ــ بسرعة محمومة ــ إلى “التآلف” مع تشوهات تنذر بأوخم العواقب.  

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *