محمد يوسف وردي

من الآن فصاعدا سيجد العالم نفسه مطالبا بالتعاطي مع القيم الجديدة النابعة من ثورة الأمريكيين، وسيتوجب عليه احتضانها طوعا، ومن غير لجلجة، حتى لا تكون نهايته مثل أمريكا، سيضطر العالم لقبول هذه القيم لكى يتماهى مع  النظام العالمي الجديد، الذي يتوقع أن يكون أكثر إنسانية، ومعززا لحاجة البشر لبعضهم البعض، مثلما يبدو الآن مع ظروف جائحة كورونا، وسوف تفرض هذه القيم  التزاما بنبذ العنصرية، والعدالة والتقدم في قضايا العرق لعموم البشرية، بحيث يتم مسح أي أثر للطغاة الذين تاجروا بالإنسان، وإنهاء تمجيد التاريخ الدنيئ وتصوير الأرستقراطيين الذين استعبدوا الناس من أجل تحقيق الربح  كأنهم نبلاء .

هل رأيتم النصب التذكاري للأب المؤسس وأول رئيس للولايات المتحدة جورج واشنطون وهو يسقط من عَلٍ على أيدي مناهضي العنصرية والفاشية في بورتلاند عشية احتفال الأمريكيين بالعيد السنوي  لإنهاء العبودية رسميا فى 19 يونيو 1865؟

لقد أطاح الثوار بتمثال واشنطن بطريقة مهينة؛ حيث لفوا راْسه أولا بعلم الولايات المتحدة، ثم أشعلوا فيه النار قبل  إرساله إلى الأرض بواسطة حبال يجرها شبان غلاظ، وبعد ذلك تم إحراق علم أمريكي آخر فوقه… أما قاعدة التمثال فقد كتبوا عليها عبارات حارقة مثل: مستعمر، مجرم الإبادة الجماعية، أنت فوق أرض للسكان الأصليين، 1619 العام الذي تم فيه جلب العبيد من إفريقيا.

وجورج واشنطن شخصية أسطورية استطاع أن يحول مليشيا ينقصها التمويل إلى جيش هزم به أعظم قوة عسكرية في العالم آنذاك، وأجبر البريطانيين على الاستسلام في يوركتاون، بالإضافة إلى أن تأثيره كان مرجحا للمصادقة على الدستور .

وامتلك جورج واشنطن المئات من العبيد الأفارقة لمدة 56 عاما، سخرهم للعمل في بيته و مزرعته بمعاونت فيرنون في فرجينيا ، ورغم أنه في وقت لاحق بدأ يعارض العبودية، وطلب في وصيته أن يتم تحرير عبيده بعد وفاة زوجته، إلا أن  ذلك يشفع له عند أحفاد أولئك العبيد .

وتمثال واشنطن الذي أقيم في عشرينيات القرن الماضي ليس الأول الذي يطاح به في بورتلاند؛ فقد حدث نفس الشيء لزميله توماس جيفرسون، الأب المؤسس، وأول وزير خارجية وثالث رئيس للولايات المتحدة، حيث سحبوا تمثاله وكتبوا على قاعدته (مالك العبيد)، وهو الآخر لم يشفع له أنه وقع على قانون يحظر استيراد العبيد .

لقد أجبرت المظاهرات المناهضة للعنصرية الممنهجة -الجارية الآن-  الأمريكيين على إعادة النظر في إرث الآباء المؤسسين والقيادات التاريخية الموالية للرق، بصورة عكستها قرارات مجالس المدن في مختلف ولايات أمريكا لإزالة التماثيل التي تكرم الشخصيات الكونفدرالية التي حاربت الحكومة الأمريكية من أجل الإبقاء على العبودية، وبصورة لم تستثنِ حتى تماثيل كريستوفر كولمبوس مكتشف أمريكا نفسه، على خلفية معاملته القاسية للهنود الحمر سكان البلاد الأصليين .

وبالتوازي يدور نقاش ساخن على مواقع التواصل الاجتماعي حول معايير الثقافة الاستعمارية مقابل معايير اليوم، حيث يطالب بعض الأمريكيين التفريق بين القيادات التاريخية التي تم  تكريمها رغم خطاياها، مثل واشنطن، وتلك التي تم تكريمها بسبب خطاياها، مثل روبرت لي . ويمتد النقاش لمراحل وصلت حتى لإعادة صياغة الدستور الذي كتبه المؤسسون  الأرستقراطيون ملاك العبيد للحفاظ على سلطتهم منفصلة عن الإمبراطورية البريطانية كأولوية أولى.

ونقلت صحيفة (بوليتيكو) قبل أيام تقريرا من أوروبا حول النقاش الذي يدور هناك منسجما مع طرح الاحتجاجات الشعبية في أمريكا؛ حيث بدأت بلجيكا في إزالة تماثيل الملك السابق ليوبولد الثاني، بسبب استغلاله الوحشي لإفريقيا، فيما ألقى مناهضون للعنصرية في بريطانيا تمثالا يجسد تاجر الرقيق إدوارد كولستون في النهر، علاوة على استهداف شخصيات أخرى مثيرة للجدل، بينها ونستون تشرشل. النيران التي لحقت بجورج واشنطن سوف تمتد إلى أركان الدنيا الأربعة وتقضي على إرث أولئك الذين جعلوا العالم مكانا لا يحترم  كرامة البشر  .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *