كانت مجلات الحائط سبيلنا للتعبير عن الجرح العميق الذي أصابنا، ووسيلتنا ــ خاصة نحن أبناء “القناة” ــ لنبوح همسا أو صراخا بما جرى في الأزقة والشوارع والميادين من عدوان!
كتب هيكل عن أزمة الشباب، كما كتب عن الشباب المأزوم، كتب عن “المجتمع المفتوح”، عن بيان 30 مارس، وكتب عن ربيع براغ، وسواء كان ما كتبه بعد ذلك عن “الحرب” القادمة، جزءا من خطة الخداع الاستراتيجي أو لم يكن، فإن تأثير ما كتب كان كافيا لبناء حائط من الإحباط يسد على الناس أفقا يرون من خلاله عدوهم على الشاطئ الآخر، كما كان كافيا لاستدعاء الخوف والقلق والشك إلى صفوف الكثير من الناس الذين كانوا ينتظرون دائما ما كان يكتب، وما كان يقول!
ذلك بالفعل، لا ادّعاءً ولا افتعالا ولا قفزا على الحقيقة الناصعة، كان تأثير كتابات هيكل بين أغلبية قرائه، خصوصا فيما بين يناير 1971 وأبريل 1972.
ــ 2ــ
تصدى لكتابات اليأس والإحباط آنذاك أكثر من صوت، أبرزها صوتان هما: محمد صبري مبدّى، وفاروق متولي. كان أكثر مقالات الأستاذ في ذلك الوقت يدعو إلى الخوف تضخيما في الموانع والعراقيل والصعوبات أمام “الرجال”، وكانت الكلمات موجعة وقاسية بقدر ما كانت تشيعه من عوامل اليأس والإحباط والفشل في عزائم الرجال وإراداتهم، وهكذا وجدتني في وسط المعركة، أواجه أعمدة الأستاذ الثمانية، في أوسع الصحف العربية انتشارا، وفي أهم مقالات السياسة العربية، أكثرها قوة وأشدها جاذبية وأوسعها تأثيرا بين الناس، خصوصا في صفوف طلبة الجامعات والمثقفين.
وعلى طريقة الأستاذ الذي تعلم منه جيلنا، وبمحاولة الارتفاع إلى المستوى الذي يليق بمعلمنا، كنت أكتب “كل أسبوع” رداً على ما يكتب الأستاذ، إذ أهرع إلى بائعي الصحف صباح الجمعة، ألتقط جريدتي، ثم أذهب إلى بيتي إن كنت مع عائلتي في بنها، أو إلى حجرتي في المدينة الجامعية في بين السرايات، حيث أعكف على قراءة “صراحة” الأستاذ، ثم أشرع في الرد على ما كتب.
ثمانية ضد ثمانية!
على طريقته، كنت أقسم “فرخ الورق البريستول” من الحجم الكبير، إلى ثمانية أعمدة، وغالبا ما كنت أقضي ليلتي أكتب، وأشطب، في ورق كشاكيل المحاضرات أولا، فيما كنا نسمّيه “مسودة”، فأنا أكتب للأستاذ.. وأظل أكتب وأمسح، وأكتب، حتى أستقرّ على ما أريد، فأنقله بالفلوماستر إلى فرخ البريستول، وفي صباح اليوم التالي “السبت” أحمل “مجلتي” ــ التي لم تكن تكلفني أكثر من فرخ ورق بريستول وقلم فلوماستر غالبا ما كنت أختاره أزرق اللون وبسنّ عريض يسمح للكلمة أن تكون كبيرة الحجم واضحة للعين ــ إلى الكليّة، لتكون مقالتي ردا على الأستاذ أول ما يوضع على حائط قاعة المحاضرات المواجهة لمدرج عمر شاهين أو مدرج 78، حيث يتوافد الطلبة ليقرؤوا الرد على هيكل!
لم تكن مبارزة أو خناقة، بل لم تكن معركة، ولم تكن استعراضا في الملاكمة، أو مباراة في المصارعة، كانت مناظرات بالعقل حول “وطن” يقف في مفترق الطرق، باحثا عن ضوء إلى المستقبل، بعد أن ألقوا به في أتون حرب لم يكن مستعدا لها، الوطن الذي خسر معركة كما قال هيكل نفسُه ولم يخسرْ الحرب!
ــ 3 ــ
في الردود التي توالت أسبوعيا، تعددت العناوين، وفقا لمقالته الأسبوعية “بصراحة”، ومن الحرب الشاملة، إلى الحرب المستحيلة، والحرب المحدودة والممكنة، كنت أعلّق “مجلة الحائط” على مقربة من باب قاعة المحاضرات وأمضي، لكنني كنت أعود لأناقش أو أرد على مهاجم أو معترض، أو أسمع كلمة تفتح بابا لعلاقة جديدة في إطار الود والصداقة، وحول هذه المجلة “الأسبوعية” تكونت صداقات مع رضوى عاشور وزوجها الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وصديقي الدكتور وليد محمود قاسم المدرس المساعد بهندسة القاهرة، وتوقف أسبوعيا امام المجلة أستاذي وصديقي الدكتور مختار التهامي الذي غالبا ما كان ينظر لي نظرة رضا، دليل اتفاقه معي فيما كتبت، ثم يمضي وهو يودعني بابتسامة الرضا عن تلميذه. كذلك قرأها باهتمام أستاذاي الدكتور خليل صابات والدكتور سامي عزيز، وكما نشأت صداقات حول ردودي على هيكل، نشأت خصومات أيضا أو خلافات حول الرأي والفكر والاتجاه!
ــ 4 ــ
كان هيكل يكتب الجمعة، وكانت مجلة الحائط التي أقوم بتحريرها تحمل السبت الرّدّ على ما كتب، فيشتعل الحوار والنقاش، وكانت المجلة، إلى جانب مجلات عدّة في “الآداب” ــ انتشرت على حوائط وجدران الكلية ومدرجاتها ــ سببا في التنبيه إلى قضايا وأولويات، فضلا عن إيقاظ الوعي بالديمقراطية والاستعداد لمعركة تحرير الأرض. وكما كانت كلية الآداب تزخر بـ “مجلات الكلمة” دفاعا عن الوطن، والانتباه إلى ما يبذله جيش مصر من تضحيات في حرب “استنزاف” العدو الإسرائيلي، كانت بقية كليات جامعة القاهرة تشهد فورة مماثلة في الوعي والوجدان والضمير، ختى كان يناير 1972.
ــ 5 ــ
مضت سنوات، بل ربما مضت عقود، قبل أن يحكي لي صديقي الإعلامي والصحفي الكبير الذي ترأس صحفا ومجلات عدّة في مصر ــ واشتهر بقصيدة هاجم فيها هيكل بالاسم، وقد تشاركنا في العديد من مجلات الحائط بالكلية ــ وحدّثني عن دعوة كان تلقاها أو استدعاء “اثنين” لمقابلة الأستاذ، عن طريق أحد مساعديه من الصحفيين المعروفين بالأهرام في النصف الأول من السبعينيات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *