قد لا أندهش إذا ما أتى يوم يُفاجئُنا فيه بروايات أخرى أو قصص جديدة، يضيفها إلى الكثير من حكاياته التي تركها “مفتوحة” على احتمالات جديدة، يتركها لوقتها، أو لعله تركها حتى يأتي اليوم أو الفرصة الملائمة لكي يُكملَ حكاياته “الناقصة”!
قد تبدو هذه “نُكتة” غير مُستساغة، وغير مقبولة بالنسبة لرجل مضى إلى “دار العودة”! لكنها تظل مقبولة، ما بقي لديه شيء ليحكيه، وهو ــ في رأيي ــ كثير، وهو لديه دائما بقية في أكثر قصصه، ليرويها بأسلوب جديد، وربما برؤية جديدة، فقد ظل لديه شيء ليضيفه، وربما أبقى أشياء ليقولها بطريقة أخرى، أو لعله احتفظ بها ليقولها بطريقة مغايرة.
ــ 1 ــ
محمد حسنين هيكل.. هو أهم صحفي عربي في القرن العشرين، وربما في القرن الحادي والعشرين أيضا، وهو نسيج وحده بين صُنّاع الكلمة والأسلوب واللغة في الصحافة العربية، وأبرز “المُخبرين” الصحفيين، والصحافة “خبر” بالأساس.
الأستاذ، كما يحب تلامذته أن ينادوه أو يلقبوه، وهو “الأسطورة الحية”، بتعبير “سارميلا بوز”، مديرة كلية الصحافة فى “أكسفورد” أعرق جامعات العالم، وهي تقدمه لكي يلقي محاضرته في الكلية في أكتوبر 2007، وقد رأيتُ الأسطورة تمشي على قدمين، خارجا من باب “الأسانسير” متوجها إلى مكتبه، لأول مرة ذات يوم من شتاء 1970، حيث كنا نحن مجموعة من طلبة قسم الصحافة نتلقى تدريبنا “العملي” في “الأهرام”.
ــ 2 ــ
لكن لماذا أتذكره الآن، وهو “أستاذي” وأستاذ جيلي من طلبة قسم الصحافة في كلية الآداب، من سبقونا ومن لحقوا بنا في مقاعد الدراسة؟
لعله “يونيو” شهر الهزيمة القاسية التي ابتكر هو لها بديلا سمّاه “النكسة”، وظلت لصيقة بعبدالناصر أكثر مما ارتبطت بشخصية أخرى، فيما أفلت “الأستاذ” من مسؤوليته عنها، وهو الذي يقول مريدوه عنه إنه “صانع سياسات” على عهدي جمال عبد الناصر وأنور السادات حتى عام 1974 عندما افترقت الطرق، بتعبير تلميذه عبدالله السناوي!
ــ 3 ــ
نجح هيكل دائما في الإفلات من مسؤوليته عن هزيمة يونيو 1967، وهو الذي كان “تُرجمان” عبدالناصر ومسوّق قراراته، والمُفسّر الوحيد لسياساته وأفكاره وتوجهاته.
ــ 4 ــ
كانت أصوات قذائف الهاون لا تزال تملأ مسامعي، تتردد أصداؤها في أذني، وهي تتساقط فوق بيوتنا في أحياء الإسماعيلية، تختلط بصوت الدكتور نعمان القاضي أستاذ الأدب العربي الذي سمعت منه أول ردود جامعة القاهرة على “الهزيمة” مهاجما بقسوة ــ رأيت لها ما يبررها آنذاك ــ أم كلثوم و”الحشّاشين”.
لكنّ احدا لم يهاجم هيكل الذي كان شريكا لناصر في كل قراراته، أو أكثرها، كـ “صانع سياسة” وفقا لتلاميذه!
من رحم الهزيمة، جاءت الأسئلة تترى، وتتدافع، حول مسؤولية الصحافة، وغياب الحرية، ودور “الكلمة” في تزييف الوعي، أو تغييب الحقيقة وإخفائها، ووجدتني ــ بعد شهر واحد من التحاقي بالجامعة ــ واحدا من آلاف الطلبة في مظاهرات نوفمبر احتجاجا على الهزيمة، ورفضا لأحكام الطيران.
ــ 5 ــ
على هزيمة الاثنين الخامس من يونيو صحت ضمائرنا، وتنبّهَت مشاعرنا، وانطوت ليالينا على حزن وانكسار.
كان الجرح عميقا، استيقظَ عليه وعينا نحن أبناء يوليو واستيقظ عليه وعي عشرات الآلاف الذين خطوا خطواتهم الجامعية الأولى في أكتوبر 1968، فكانت الإرادة التي تفجّرَت في نوفمبر من نفس العام، تعلن عن رفض الهزيمة وتطالب بمحاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الهزيمة، وعما حدث في الخامس من يونيو.
استفزّتنا المسألة الوطنية وأكثر ما استفزت فينا كرَامَة وطن ذهب إلى الحرب كأنه ذاهب إلى حفلة راقصة، فإذا بالجنود والضباط أمامنا في الإسماعيلية بعد ليلة واحدة من الحرب يجلسون على الأرصفة في الطرقات، بعد انسحاب سريع مذل ومهين!
أدركتُ الكارثة التي حلّت ببلادي، وآلمتني فداحة الهزيمة التي أصابت قلب شاب صغير كان يغني بالأمس القريب “على راس بستان الاشتراكية” و”صورة” و”ثوار مع البطل” و”يا أهلا بالمعارك”.
لم تخذلنا البندقية فقط، ولا النياشين والنجوم اللامعة التي كانت تتلألأ فوق الأكتاف والصدور فحسب، بل خذلتنا الكلمة أيضا!
كان السقفُ محدودا في جريدة “الآداب 70″، فأصبحت مجلات الحائط ــ مع محدودية انتشارها، وطبيعة التعاطي معها وقراءتها ــ الملاذ والملجأ للكلمة “الغائبة” والباحثة عن فضاء يحملها إلى الطلبة، وتعددت المجلات والآراء والأفكار، تعبيرا عن شباب الوطن الذي كان يحلم بتحرير الأرض، واستعادة الكرامة.
…. وللحديث غدا بقية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *