بقلم د. صفية فرجاني

تعتبر مشكلة الطلاق من أهم المشكلات النفسية والاجتماعية والقانونية التي تواجه الأسرة والمجتمع بشكل عام، ولها آثارها النفسية والاجتماعية على الأطفال بشكل خاص، حيث تكمن خطورة هذه المشكلة فيما يسببه الطلاق من حرمان الطفل من الرعاية الأسرية اللازمة لنموه السليم نفسيًّا واجتماعيا.

إن أي خلل في البناء الأسري؛ كغياب الأب أو الأم، أو غيابهما معا، له تأثيره البالغ على الطفل، ويعد الطلاق صورة من صور هذا الخلل، وهو وإن كان في ظاهره حلًّا لمشكلات الزواج، فإنه في المقابل يتسبب بمشاكل للأطفال الذين هم الضحية الأولى للزواج الفاشل، ذلك لأنه بانفصال الوالدين يضطر الطفل للعيش مع أحدهما (الطرف الحاضن) دون الآخر (غير الحاضن) فتتشتت مشاعر حبه وولائه بينهما، وفي معظم الأحيان يعيش أبناء الطلاق مع الأم بموجب الحضانة التي يخولها لها القانون، بينما يغيب الأب عن الأسرة، فلا يرى الأبناء الأب إلا على فترات قد تطول أو تقصر.

إن الترتيبات التي تتم بعد حدوث الطلاق، والتى تتعلق بالأطفال، هي الترتيبات الخاصة بالحضانة والرؤية، وعادة ما يستخدم الأطفال كأسلحة في مواصلة المعارك بين الوالدين حول حق الحضانة والدعم المالي (النفقة) والرؤية، دون وضع مصلحة الطفل في الاعتبار.

وقد يصاب بعض الأطفال بما يسمى “اضطراب العزل الأبوي”، وهو مصطلح أطلقه الطبيب النفسي ريتشارد غاردنر Richard Gardner.

ويعرف بأنه عملية غسل دماغ للطفل (brainwashing) بهدف الحط من قيمة واحترام الوالد الآخر وعزل الطفل نفسيا عنه، نتيجة استمرار الصراع بين الوالدين بعد الطلاق على رؤية وحضانة الأبناء، ويكون لها تأثير رئيسي ليس فقط فى رفض الطفل للوالد الآخر، بل أيضا ورفضه لجميع أفراد أسرته الممتدة من جهة هذا الوالد، مما ينعكس سلبا على حالته النفسية بشكل عام. ويرون أن (الوالد غير الحاضن) شخص غير مساعد لهم وتخلى عنهم، وفي نفس الوقت يلجأون بكل عواطفهم تجاه الوالد المنفصل، وهو عادة (الأم الحاضنة) ردا على إحساسهم بالرفض أو الشعور بالتخلي عنهم من قبل الأب، وهؤلاء الأطفال يفقدون تأثير وأهمية هذا الأب خلال سنوات هامة من مراحل نموهم.

ولقد أجريت كثير من الأبحاث في البيئات الأجنبية، والتي أشارت نتائجها إلى الاعتراف باضطراب العزل الأبوي، وخاصة بعدما ظهرت لدى حوالي (90%) من الأطفال بعد انفصالهم عن الوالدين بعد الطلاق.

ويفقد أطفال الطلاق أمنهم النفسي، ويزداد لديهم الخوف والارتباك والحزن والقنوط ويعتبر بعض الخبراء أن اضطراب العزل الأبوي هو شكل من أشكال إساءة معاملة الأطفال وذلك لعدة أسباب منها:

  • أنه من خلاله يفقد الأطفال روابط التعلق الآمن مع الوالد غير الحاضن الذي انفصلوا عنه بعد الطلاق.
  • يدخل في عقول الأطفال معاني كاذبة حول علاقاتهم بالوالد الآخر، والذي ينعكس على تشويه وتجريح للذات، مثل: أبوك/أمك لم يحبك أبدًا، أو أبوك/أمك خطر عليك، أو أبوك/أمك لم يعد مناسبا لك.
    • من خلاله يتعلم الأطفال الكذب، وهو من أشد أنواع الضررالنفسي والمادي، ذلك لأن الأطفال يكذبون على أنفسهم، وفي كل ما يخص الوالد غير الحاضن، بادعاء أنه قام بالاعتداء عليهم نفسيا وجسديا وعاطفيا.
    • يرتبط اضطراب العزل الأبوي للأطفال -بعد الطلاق- مع مشاعر الانتقام والخوف وعدم الأمان والغضب من الوالد الذي تركهم بعد الطلاق.
    • يظهر الطفل سلوك عدواني تجاه الوالد المستبعد؛ وذلك حتى يكسب حب الوالد المفضل لديه، ودائما ما يعزز هذا الوالد تلك السلوكيات العدوانية بطرق مباشرة وغير مباشرة، مما يؤدي إلى سوء العلاقة مع الطفل والوالد المعزول واستمرار الصراع بين الوالدين.

    ومن الأمثلة التى يقوم بها الوالد (الحاضن) الذي بيده الأطفال، وتكون السبب

    المباشر لاضطراب متلازمة العزل الأبوي الآتي: يتكلم عن الوالد غير الحاضن (المعزول) بشكل سيىء أو يحط من شانه بشكل مباشر أمام الأطفال، أو يصرح بأن الوالد قد تركهم لأنه/لأنها لم يعد يهتم بما فيه الكفاية بالمحافظة على حياتنا العائلية معا، أو يناقش مع الأطفال الظروف التي أدت إلى انهيار الزواج، ويضع اللوم كله على الوالد الآخر لفشله في المحافطة على الزواج، وحدوث الطلاق، أو يعرض الوالد الحاضن على الأطفال التفاصيل اليومية للصراع المستمر مع الوالد الآخر، مثلا مشاكل النفقة والإجراءات القانونية في المحاكم، أو يرجع الوالد الذي بيده الأطفال اللوم بشكل دائم للوالد الآخر باعتباره المسئول الأول والوحيد عن كل التغيرات التي حدثت في حياة الأطفال بعد الطلاق، مثل التغيرات الكثيرة التي حدثت لهم في المسكن والمدارس وترك الزملاء والأصدقاء وانخفاض المستوى الاجتماعي والاقتصادي في حياتهم بشكل عام.

    وغالبا ما يدعي الوالد الذي بيده الأطفال حدوث اعتداءات جسدية أو عاطفية على الأطفال من قبل الوالد غير الحاضن أو المعزول، وخطورة هذه السلوكيات أنها تحدث عملية غسيل دماغ للأطفال، ويتعلمون النفور والكراهية والبغض للوالد الآخر من أجل إرضاء الوالد الذي يقيمون معه بعد الطلاق.

  • ويعاني أغلب أبناء الطلاق اضطرابات نفسية شديدة، مثل  الشعور بالخوف واليأس وعدم الأمان وانخفاض تقدير الذات لديهم.ويجمع الأطباء وعلماء النفس على أن اضطراب العزل الأبوي يسبب أذى نفسيا للأبناء، ورغم هذا ما زالت الأبحاث في البيئة العربية لم تتناول ظاهرة متلازمة العزل الأبوي  Parental Alienation Syndromeكاضطراب نفسي يصاحب أطفال الطلاق بسبب معارك وصراع كلا الوالدين في ضم الأطفال إلى حضانته.وغياب تلك الأبحاث لا يعني أن هذه الظاهرة غير موجودة، مما يجعلنا نأمل في تدعيم البحث العلمي لتلك الظاهرة في مجتمعنا العربي، والذي يجعلنا نلقي الضوء عليها، ونتعرف على عوامل وجودها والعوامل التي تخفف من حدتها وتمنع حدوثها، وذلك بتوعية الوالدين بما أمر به القرآن الكريم }ولا تنسوا الفضل بينكم] {البقرة: 237[ وكذلك لتدخل جميع مؤسسات المجتمع لحماية أطفال الطلاق، ومشاركة الأطباء والمعلمين ورجال الدين والإعلام والصحافة للتدخل لحماية الأطفال بعد الطلاق من مثل هذا الاضطراب النفسي الذي يدمر مستقبل فئة من أبنائنا، وهي ليست بالقليلة، وخاصة بعد ازدياد معدلات الطلاق على مستوى مصر والعالم العربي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *